د. برهان غليون: نشأة مفهوم المجتمع المدني وتطوره من المفهوم المجرد إلى المنظومة الاجتماعية والدولية (3 من 3)

3- من ديمقراطية الدولة إلى ديمقراطية المجتمع

في أصل التحول نحو المجتمع المدني ومعنى المراهنة عليه

تعبر نزعة الانكفاء عن الدولة كراع وحيد للتقدم والتحديث والتنظيم المدني للمجتمع عن ولادة ما أعتقد أنه موجة جديدة من الديمقراطية أو ما يمكن تسميته بالديمقراطية الجديدة أو المجددة. فقد تركزت الديمقراطية الكلاسيكية أو في المرحلة الأولى على إصلاح الدولة وأساليب ممارسة السلطة من قبل القائمين عليها، وكان أفضل تعبير عنها بناء الدولة الدستورية والقانونية وتثبيت مبدأ فصل السلطات، واستقلال المؤسسات الرئيسية بعضها عن البعض الآخر وتحديد مسئوليات الحاكمين وإخضاعها للمراقبة الاجتماعية المستمرة. أما في المرحلة الجديدة فإن هناك نزعة قوية للنظر إلى الديمقراطية من داخل المجتمع أو لبناء أسس الديمقراطية الاجتماعية. فالمرحلة الأولى كانت مرحلة الدولة الديمقراطية والمرحلة الثانية هي مرحلة المجتمع الديمقراطي. والمجتمع الديمقراطي لا يقوم على وجود دولة قانونية وديمقراطية فحسب ولكنه يتجاوز ذلك نحو توطين مبادئ الديمقراطية في ممارسات الفرد والجماعة معا. وفي هذا الاطار يستعيد التفكير السياسي النظر في كل ما كان غائبا في الديمقراطية الكلاسيكية، أعني التركيز على السلطة أو السلطات الاجتماعية والسعي إلى تطويرها والعمل على تغذيتها بالمبادئ والقيم التي حكمت دمقرطة السلطة السياسية العمومية. وهكذا فإن الاستثمار المادي والمعنوي يتجه أكثر فأكثر في الدول ذات الديمقراطية الناضجة من التركز على السلطة المركزية والدولة نحو السلطات الاجتماعية. وتزداد مراهنة الرأي العام على هذه السلطات في تحقيق الأهداف التي لم يعد من الممكن للدولة أن تحققها أو لم يعد من المفيد لهذه الدولة أن تستمر في احتكارها. ولا تقتصر هذه المراهنة على العمل في ميدان التضامن الاجتماعي والانساني ولا في ميدان المشروع الاقتصادي الحر ولا في الميدان الأسري فحسب ولكن أيضا في ميدان الثقافة والإعلام وتكوين الرأي وتنظيم الحياة المدنية البلدية والمدينية وتحسين البيئة وتنظيم التعاون والتضامن الدوليين ومراقبة السياسة المحلية والدولية وإبداء الرأي فيها بل والاعتراض عليها. ويشكل التأمل في طبيعة الديمقراطية المواطنية الجديدة موضوع العمل الرئيسي للألماني هابرماس.

ومن هنا تعيش فكرة التعددية مرحلة تجديد في جميع أشكالها، وتضطر الدولة تلبية لذلك في جميع بلدان الديمقراطية الناجزة إلى أن تزيل احتكارها الذي بقي مفروضا خلال الفترة الطويلة السابقة على وسائل الاعلام الكبرى لتقبل، بل لتشجع على نشوء إذاعات وقنوات تلفزية ومراكز توجيه خاصة، سواء أكانت تجارية أو اجتماعية أو قوموية أو دينية. وبالمثل تكاثرت المنظمات غير الحكومية التي تهتم بالشئون ذاتها الوطنية والدولية التي كانت من اختصاص الدول حتى وقت قريب. وأصبحت منظمات حقوق الانسان مثلا من أهم الهيئات التي تحظى بالشرعية العالمية للتصدي للحكومات المستبدة والقمعية. كما أصبحت منظمات المشاركة في التنمية ودعم الشعوب أو الجماعات الفقيرة أو التي تتعرض لكوارث طبيعية أو تهديدات خطيرة أكثر نشاطا من المنظمات الرسمية على صعيد الكرة الأرضية. وفي مواجهة سياسات العولمة الجديدة التي تطورها مجموعة الدول الصناعية الرئيسية، نمت ولا تزال تنمو منظمات أهلية عالمية تمثل أدوات ضغط متزايد على الدول الصناعية في ميدان ضمان الحقوق الاجتماعية أو توجيه السياسات الدولية وجهة إنسانية. وبالمثل تتكاثر الجمعيات المحلية التي تأخذ على عاتقها مهام تنظيم الحياة الأهلية للفئات أو للمجموعات القومية أو للنشاطات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية لهذه الشريحة أو تلك من السكان.

إن الديمقراطية المجتمعية، أو دمقرطة المجتمع المدني تعني بث مزيد من روح المسئولية عند الأفراد تجاه التفكير والعمل على تقرير مصيرهم وعدم التسليم للدولة، بل وللسياسة بوصفها مركز تكثيف القرار المجتمعي وتوحيده، أو الاعتماد الوحيد عليها لتحقيق الأهداف والحاجات المطلوبة. كما تعني إعطاء المزيد من الصلاحيات وهامش المبادرة والموارد، من قبل الدولة أو من قبل أفراد المجتمع أنفسهم، لهذه المنظمات والهيئات غير الحكومية. فإلى جانب الدولة التي تميل إلى أن تقصر دورها كما قلنا على مهمة الترشيد والتنسيق العام، تقف اليوم في المجتمعات الديمقراطية الناضجة عشرات ألوف المنظمات غير الحكومية التي تملك من الموارد المادية ومن الإطارات الفنية والخبرات البشرية ومن المشاعر الانسانية ومن المشاريع والمخططات ما يوازي ما تملكه الدولة أو يتجاوزه في العديد من المجالات. والمهم في هذه المنظمات وفي طبيعة عملها هي أنها تستطيع، بعكس الدولة، أن تفكر وتعمل بين المواطنين أنفسهم وتدرك حاجاتهم الحقيقية على مستوى ظروف حياتهم، وتعمل بالمشاركة معهم، وتراهن على الأعمال التطوعية التي توفر الكثير من الموارد المادية وتشحن المجتمع بروح تضامنية تساهم بشكل قوي في تخفيف التوترات والتناقضات الاجتماعية الكلاسيكية.

وبوجود هذه المنظمات تجد الدولة لنفسها معينا كبيرا داخل المجتمع يخفف عنها العديد من الأعباء ويفرغها للانشغال بالمسائل الاستراتيجية الكبرى والخطط الطويلة المدى.

وبالفعل تلعب هذه المنظمات غير الحكومية دورا كبيرا في توزيع المساعدات والخدمات في البلدان الفقيرة، حتى عندما يكون مصدر هذه المساعدات الدول ذاتها. فهي تحظى بدعم متزايد من الأمم المتحدة ومن الدول الصناعية. ويتماشى هذا الدعم مع الاتجاه الصاعد للاعتماد على القطاع الخاص وعلى المنظمات الأهلية في تقديم المساعدات وعدم الالتزام بمفهوم السيادة المطلقة للدول على مجتمعاتها. ومن هذا المنطلق صوتت الأمم المتحدة في التسعينات على قرار التدخل الانساني الذي يتيح للمنظمات غير الحكومية أن تخرق سيادة الدول لتقديم المساعدة الطبية أو الغذائية أو الانسانية إلى جماعات تتعرض للتهديد الخطير مثل القتل والمجاعة والكوارث الطبيعية.

جاء الحديث المتزايد عن المجتمع المدني ومؤسساته في الدول الصناعية كدليل إذن على نضج الديمقراطية أو اكتمالها ونضج المجتمعات معا وارتفاع درجة التفاعل والتواصل بين الدولة والمجتمع. فالدولة هي التي شجعت المجتمع على المبادرة واحتلال مواقع بقيت تحتلها منذ فترة طويلة وسهلت قانونيا وتنظيميا نشوء مؤسسات مدنية وقدمت لها ولا تزال تقدم لها الدعم المالي والتنظيمي والقانوني لتقوم بالدور الجديد الملقى عليها. وبالرغم من أن هذه المنظمات قد تصطدم بالدولة، كما حصل ويحصل بالفعل عندما تعترض منظمة غرينبيس المدافعة عن البيئة على نقل النفايات الذرية أو تقاعس الدولة في موضوع حماية البيئة، وكما يحصل بالنسبة لتدخلات منظمات حقوق الانسان؛ فإنه من الملاحظ اليوم أن هناك ما يشبه صيغة من تقسيم العمل تأخذ مكانها في الفضاء العام بين الدولة والمنظمات الحكومية، بحيث يحمل كل طرف على عاتقه عبء مهام خاصة، من دون أن يؤثر التنافس أو الصدام الجزئي بين الطرفين على طبيعة هذا التقسيم أو على علاقات احترام كل طرف لاختصاصات الطرف الآخر، حتى لو لم يوافق عليها جميعا.

وباختصار نستطيع أن نقول إن المجتمع الديمقراطي يأتي هنا مكملا وامتدادا للدولة الديمقراطية التي كانت في أصل نشوئه. وهي لا تزال ترعاه حتى لو كانت تخاف من تجاوزاته على الصلاحيات الجديدة التي أخذت تحصر عملها فيها. فالدولة تدرك أيضا أن ما يقوم به المجتمع المدني، أي المؤسسات الخاصة غير الحكومية، لا تستطيع هي أن تقوم به، وأنه في مواجهة المنافسة الدولية المفتوحة والتي ستفتح أكثر فأكثر، من مصلحة الدولة عموما والمجتمع ككل أن تتطور وتتدعم المؤسسات المدنية وتزداد نشاطا في الداخل والخارج. فهي لا تجنب حصول فراغ داخلي يتيح تدخل مؤسسات مدنية خارجية فحسب ولكنها يمكن أن تشكل أكثر من ذلك أدوات لمد النفوذ الوطني في الفضاء الدولي ولدى المجتمعات الأخرى.

وبالعكس من ذلك يأتي الحديث المتزايد والمتضخم عن المجتمع المدني في البلاد النامية، ومنها البلاد العربية كتعويض عن غياب هذا المجتمع تماما وكرد على الفراغ الذي أحدثه في الفضاء العمومي تفسخ الدولة وتحلل السلطة العمومية إلى سلطة أصحاب مصالح خاصة، وانهيار أي قاعدة قانونية ومؤسسية ثابتة وراسخة للدولة والمجتمع معا. ولذلك فهو يبقى هنا ويستمر يعمل في إطار الايديولوجية، مما يعني أيضا سهولة استعماله كأداة أو كوسيلة لتحقيق أهداف وتدعيم مواقف وتأكيد مساعي متنوعة وأحيانا متناقضة، سياسية وعقائدية واقتصادية من دون أن يكون غاية في ذاته. فهو ليس مقصودا لما يمثله من إطار نظري وقانوني لبناء سلطة اجتماعية مستقلة بالفعل عن النزاعات السياسية وقادرة على المشاركة مباشرة في ايجاد الحلول من خارج المجال السياسي الرسمي للعديد من المشاكل والتحديات المجتمعية، وإنما لغيره، أي لأهداف تتعلق سواء بالسياسة بمعنى الصراع على السلطة كمواقع ومناصب أو بالوجاهة أو بالمنافع المادية التي تزداد قيمة بقدر ما تزداد مساعدات الدول الصناعية لهذا القطاع الجديد من النشاط الدولي.

وبقدر ما تبدو الدولة في بلاد الجنوب بشكل عام بوصفها أكثر فأكثر تجسيدا لمجال المصالح الخاصة والجزئية وغياب القانون، ينمو نزوع قوي إلى البحث عن المواطنية والعمومية والمصالح الوطنية والحرية في المجتمع المدني ذاته، أي خارج الدولة. فالمشكلة الحقيقية التي تحاول أن ترد عليها هنا إشكالية المجتمع المدني ليست تنظيم المصالح الخاصة، ولكن بالعكس تنظيم المصالح العامة. ومن هنا التخبط والصعوبة الهائلة في تحديد هذا المفهوم والتناقض الكبير الذي يفترضه استخدامه بينه وبين الدولة. فالاشكالية تبدو هنا مستحيلة، أعني محاولة بناء العام في قلب الخاص، مما يعني في الواقع إعادة استيلاد الدولة من قلب المجتمع، مما يجعل النخبة المسيطرة على الدولة تشعر بأن فكرة المجتمع المدني تنطوي على إنشاء دولة بديلة أو دولة نقيض.

ومصدر كل هذا الاختلاط والتخبط هو إخفاق الدولة القومية، بمعنى الدولة الأمة، دولة المواطنين، في هذه البلاد. مما يضعنا أمام مسار تاريخي مختلف تماما عن ذاك الذي عرفته المجتمعات الغربية، وأحيانا معاكسا له. وهذا يعني في الواقع أنه كما أن تطور المجتمع المدني في الغرب ليس منفصلا عن تطور الدولة الديمقراطية فإن غياب الدولة الديمقراطية في العالم النامي، والعالم العربي بشكل خاص، ليس منفصلا أيضا عن غياب المجتمع المدني أو تحييده وما يضمه من مؤسسات اجتماعية مستقلة فاعلة تقوم بتأدية مهام مرئية وثابتة في المجتمع وتكتسب نتيجة ذلك مواقع وصدقية وشرعية حقيقية.

نتائج

إن المجتمع المدني الذي نتحدث عنه اليوم، لم يعد مجرد مفهوم يشير إلى مستوى من مستويات النشاط المجتمعي يتسم بالتعددية والتناقض والجزئية والمصلحة الخاصة ولكنه يشير إلى مجموعة من المنظمات النشيطة التي يمكن تعيينها وتحديد موقعها ومكانها والأدورا الكبيرة التي تلعبها، بموازاة الدولة أحيانا وأحيانا ضدها. لكن ما هو أهم من ذلك أن المجتمع المدني لم يعد ينظر إليه على أنه تجسيد للخاص والمصالح الجزئية في مقابل الدولة المجسدة للعام وللمصالح الكلية ولكن كدولة مقابلة، أي كمنظمات ذات نفع عام وأهداف كلية تخدم أهدافا عامة وتشكل مصدرا للنظام والعقلانية والترشيد والاتساق داخل نظام اجتماعي هجرت الدولة العديد من ميادينه أو أصبحت غير قادرة على بث النظام والسلام فيها. لقد تحول إلى هيئات عامة (سياسية) داخل الدولة المعدلة سياسيا أو التي خفت درجة احتكارها لما هو عام. وهذا ما دلت عليه المناقشات التي حدثت في منتدى دافوس (كانون الثاني 2001) حيث شعر أحد المشاركين من رؤساء الدول أنه أصبح من اللازم التذكير بأن الدولة هي الممثلة للمجتمع والشعب، وليست المنظمات غير الحكومية أو منظمات المجتمع المدني، خاصة أن هذه الدولة تضم حكومات منتخبة بطريقة ديمقراطية. وهذه أول مرة تطرح فيها المسألة بعبارات التنافس بين الدولة والمجتمع المدني على تمثيل الجمهور. وهي تعبر عن نوع التركيبة الاجتماعية الجديدة التي تتطور وستتطور في المستقبل.

وبالفعل، بالرغم من أن ذلك لم يتبلور بعد، فإن ما نسميه اليوم هيئات المجتمع المدني أو ما نميل إلى تسميته كذلك ليس تلك المنظمات النقابية الكلاسيكية بالرغم من أنها بالمفهوم التقليدي منظمات مجتمعية، ولكن تلك الهيئات التي تجعل من المصالح والأهداف العامة القومية، ولكن أكثر فأكثر الدولية والانسانية، محور نشاطها، ولا تسعى إلى تحقيق مصالح جزئية خاصة بقدر ما تدافع عن رؤية اجتماعية وعالمية. إنها تحل أكثر فأكثر محل المنظمات السياسية التي من دون أن تكون في السلطة تطرح مسألة وصولها إلى السلطة من منطلق الدفاع عن مصالح قومية وعمومية. فهل أصبح المجتمع المدني وهيئاته بديلا للأحزاب السياسية، تماما كما أصبح العمل المدني بديلا للعمل السياسي أو منافسا له، بمعنى أن خدمة الأهداف العامة لم تعد تستدعي بالضرورة (أو لا تتم بالضرورة) إلا في إطار السياسة وممارسة السلطة العمومية، وبالتالي لم يعد تحقيقها يحتاج إلى تكوين أدوات الصراع على السلطة والنفاذ إليها مثل الأحزاب، ولكنها يمكن أن تتم، بل هي تتم بشكل أفضل من داخل هيئات ومنظمات لا تعمل بالسياسة بالمعنى الكلاسيكي أي من حيث هي مرتبطة بالسيطرة على جهاز الدولة ولا تجعل السياسة أو النفاذ إلى سلطة الدولة همها أو مركز اهتمامها الأول، هيئات مدنية تماما تضم أشخاصا لهم مراكزهم الاجتماعية والمهنية البعيدة عن السلطة العمومية. وهذا يعني أن السياسة بالمعنى النبيل والواسع للكلمة، أي من حيث هي تحديد الاختيارات الاجتماعية الأساسية والدفاع عن تطبيقها لا من حيث هي صراع على السلطة أو صراع من أجل السلطة كأداة للتغيير، قد انتقلت من الدولة إلى المجتمع أو هي في طريقها لذلك، وأن الجمهور بدأ يتنكر أكثر فأكثر لمبدأ وجود سياسيين من أصحاب الاختصاص أو تقنيين. إن في مفهوم المجتمع المدني الجديد اعتراف بضرورة عودة السياسة إلى المجتمع وإلغاء الاحتراف السياسي لا إلغاء السياسة، وتقليص من أهمية السيطرة على جهاز الدولة كشرط لتحقيق أهداف اجتماعية عامة. هذه طفرة عميقة في مفهوم السياسة ذاتها تسير في الاتجاه نفسه الذي تحدث عنه ماركس للالتقاء داخل الفرد ذاته بين المصالح العامة والمصلحة الخاصة، حيث تكون حرية الفرد شرط لحرية المجموع.

وفي اعتقادي نحن نسير اليوم نحو حقبة التحرر من المفهوم الكلاسيكي الحديث للدولة كمركز أحادي ووحيد للتنظيم والتنسيق الاجتماعي وهي الحقبة التي دامت أكثر من قرنين. وهذا التحرر من المفهوم التقليدي للدولة لا يعني بالضرورة زوال الدولة وإنما زوال شكل من أشكالها. لكن الأهم من ذلك هو معرفة طبيعة الهيئات والتنظيمات والمؤسسات التي ستحل محلها وتشكل جماع نشاط القرن القادم كله وربما القرن الذي يليه. إن العودة الراهنة إلى المجتمع هي موجة عميقة الجذور، لكن طرق هذه العودة وأشكالها والنماذج التي ستنجم عنها، كل ذلك لا يزال في بداياته الأولى. والسؤال هل ستساعد هيئات المجتمع المدني، أو بالأحرى بناء المجمع المدني بمعنى الهيئات الأهلية الناشطة في ميدان العمل العام، على ايجاد مجتمع أكثر تحررا وعلى توافق أكبر بين حرية الفرد وحرية المجموع واتساق أكبر بين مسئولية الحاكم أو المقرر ومسئولية المحكوم أو المطبق؟

هذه هي أسئلة المستقبل. لكن ليس لدي شك في أننا نسير وسوف نسير خلال القرن القادم نحو شكل من التنظيم المدني تخضع فيه السياسة من حيث هي بلورة للتصورات والاختيارات التي تمس المصير العام والمصائر الجزئية أيضا ومن حيث هي قرارات ترمي إلى تطبيق هذه الاختيارات لنشاط مجموعة لا محدودة من التجمعات والهيئات والتنظيمات المدنية غير الحكومية. وأن الحكومة التي تحتل مراكز القرار السياسي الرسمي لن يكون دورها سوى التنسيق بين نشاط هذه الهيئات والمنظمات وايجاد القاسم المشترك فيما بينها. ومن هذه الزاوية ستقدم هيئات المجتمع المدني المتعدد الجديدة إطارا يتيح للمواطنين المشاركة بشكل أكبر وأنشط في تقرير مصيرهم، والمساهمة بصورة أقوى في السياسة من حيث هي انشغال بالمصير العام وممارسة للقررات التي تمسه. وسينشئ ذلك دائرة للمشاركة السياسية موازية للدائرة التي يمثلها البرلمان، والقائمة على عملية انتخابية إحصائية محضة لا تعكس حقيقة الإرادات المجتمعية القائمة والمتنافسة على تشكيل السياسة، بل دائرة تتجاوز الدائرة البرلمانية وتخضعها لها سواء عبر الضغوط أو عبر التدخلات المباشرة في تكوين الرأي العام.

بيد أن الإطار الذي ستتطور فيه هذه الصيغة الجديدة من النشاط العمومي والمشاركة السياسية بالمعنى الواسع للكملة سوف يكون في نظري إطار العولمة أو الفضاء العالمي والسياسات العالمية. فهذا هو الإطار الذي لا يحتله برلمان ولا يمكن إخضاعه لأي آلية عقلنة حكومية. ومنذ الآن نستطيع أن نلاحظ كيف أن هيئات المجتمع المدني هي التي تشكل القطب الرئيسي لمواجهة التصورات والخيارات السياسية لمجموعة الدول الصناعية التي تقرر في السياسة العالمية، وهي الوحيدة التي تشكل قطبا مناوئا للعولمة المتوحشة النيوليبرالية. وبالعكس، إن تطورها في الإطار القومي سوف يبقى محدودا لأن هذا الاطار الذي بني بفضل الدولة لا يزال يخضع بشكل كبير لاشرافها ولا تزال الدولة، بقدر ما تظل نشيطة وممثلة لإرادة عامة، ولو كانت إرادة إحصائية، تؤدي فيها الوظائف الأساسية المناطة بها.

وبالعكس من ذلك، إن منظمات وهيئات المجتمع المدني سوف تزداد نفوذا وقوة، خاصة تلك الناشطة على الصعيد العالمي أو المتعدية الجنسيات، في تلك المجتمعات التي خسرت الرهان على الدولة ولم تنجح في بناء مجتمع مدني قوي. وهذا هو وضع البلاد العربية والعديد من البلاد النامية. فكما أن الدولة لن تستطيع هنا أن تقاوم ضغوط هذه المنظمات التي تزداد مزاعمها بالمشاركة في تقرير السياسات العالمية، كذلك فإن المجتمع المحطم والمفكك الذي نشأ في حضن مثل هذه الدول اللاقومية سيكون إما عاجزا عن بناء نفسه وهيئاته الخاصة النشيطة أو غير قادر على المشاركة الفعالة في الهيئات المدنية العالمية الفاعلة على أرضه الوطنية ذاتها. ونستطيع أن نلاحظ منذ الآن بوادر الصدام العنيف بين المجتمع المدني العالمي أو المتجاوز للحدود القومية وبين السلطات الوطنية في البلاد العربية. ولعل قضية سعد الدين إبراهيم هي المثال الأول على طبيعة الصراعات والصدامات القادمة في هذا المجال. ولن يكون الصراع الحقيقي هنا بين الدولة والمجتمع المدني المحلي ولكن بين النخب الحاكمة التي تستخدم الدولة كإطار لتنظيم نفسها وتثبيت سلطتها وحكمها، وبين المجتمع المدني العالمي الذي يحاول اختراقها في سياق بحثه عن توسيع دائرة نفوذه ومشاركته في تقرير السياسات العالمية وتعبئته للقوى الهامشية والمحيطية العديدة في معركته ضد هيمنة القطب الرسمي الذي تجسده مجموعة الدول الكبرى المسيطرة على السياسة العالمية (5).

__________

* أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بباريس. والمقال يُنشر هنا بإذن خاص من الكاتب، وهو في الأصل محاضرة أُلقيت في ندوة المجتمع المدني والديمقراطية بجامعة قطر (14 – 17 أيار 2001)

 

هوامش:

(5) نشط سعد الدين ابراهيم في مجال مراقبة الانتخابات المصرية ونشر التقارير عن درجة نزاهتها. وقد أمسك هنا بموقع مؤلم وحساس في النظام القائم لأنه يتعلق بمسألة الشرعية الديمقراطية للسلطة الحاكمة، وهي الشرعية التي تستند إليها بعد تخليها عن الشرعية الثورية واستمرارها مع ذلك في احتكار الحكم من دون تناوب منذ ما يقارب نصف قرن. وبالرغم من أن التهم الموجهة لسعد الدين ابراهيم تتعلق بتزوير فواتير وقوائم انتخابية، إلا أن السبب الرئيسي لاعتقاله ومحاكمته هو وقف عملية الاختراق التي نجحت أن تقوم بها منظمات المجتمع الدولي المدنية وشبه المدنية في نسيج المجتمع المصري والضغوط القائمة والمحتملة التي يمثلها هذا الاختراق.

ولعل وزير الاعلام السوري كان أكثر وضوحا في التعبير عن هذه الفكرة عندما وجه (جريدة الحياة،20 كانون الثاني يناير 2001) انتقادات حادة لدعاة المجتمع المدني في سورية ملمحا إلى ارتباط المؤسسات المدنية بالمعنى المتداول بـ “الاستعمار الجديد الذي لم يعد في حاجة إلى جيوش”